السيد عبد الله شبر
48
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
المسيئين في ضيق وظلمة ، والبدن يصير تراباً منه خلق ، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها لمّا أكلته ومزَّقته ، كلّ ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرّة في ظلمات الأرض ، ويعلم عدد الأشياء ووزنها ، وأنّ تراب الروحانيّين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث مطرت السماء فتربو الأرض ، ثمّ تمخض مخض السقاء ، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء ، والزبد من اللبن إذا مخض ، فيجتمع تراب كلّ قالب ، فينقل بإذن اللَّه إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصوّر كهيئتها ، وتلج الروح فيها ، فإذا هو قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً » « 1 » . إلى غير ذلك من الأخبار . ويمكن الجمع بينها وبين ما تقدّم : أنّ اللَّه تعالى يفني العالم بأسره ويعدمه ، كما دلّت عليه الآيات والأخبار السابقة ، ثمّ يوجد الأرض والسماء ، ثمّ يحيي الأموات ويعيد الأشياء لجمع الأجزاء المتفرّقة . تحقيق المعاد الجسمانيّ القول بالمعاد الجسمانيّ من ضروريّات الدين ، واتّفق عليه جميع الملّيّين ، ومنكره خارج عن ربقة المسلمين ، والآيات به متظافرة ، والنصوص به متواترة ، وقد أجمع الأنبياء على ثبوته ، ولم يقم دليل على امتناعه ، فوجب القول به . ثمّ إن قلنا بعدم امتناع إعادة المعدوم - لعدم قيام دليل على امتناعه - فالأمر واضح ، وإن قلنا بامتناعه فيمكن أن يُقال : يكفي في المعاد كونه مأخوذاً من تلك المادّة بعينها أو من تلك الأجزاء بعينها ، لاسيّما إذا كان شبيهاً بذلك الشخص في الصفات والعوارض بحيث لو رأيته لقلت : إنّه فلان ؛ إذ مدار اللذّات والآلام على الروح ، ولو بواسطة الآلات وهو باق بعينه . ولا تدلّ النصوص إلّاعلى إعادة ذلك الشخص ، بمعنى أنّه يحكم عليه عرفاً بكونه هو ، كما يحكم على الماء الواحد إذا افرغ في إنائين أنّه هو الذي كان في واحد عرفاً
--> ( 1 ) . الاحتجاج ، ج 2 ، ص 98 .